أزمات الحرب والسلام ؟
بقلم:زيد ابوزيد
لم يكن العام 2009 الذي ودعه الشعب الفلسطيني قبل أيام سعيداً، فقد امتلأت أيامه بالآلام والأحزان والحصار، وشهدت بداياته حرباً متوحشة خاضها مجرموا الحرب الصهاينة على الأبرياء في غزة، كما شهدت نهايته قتلاً بدمٍ بارد في نابلس والخليل، وسجون يقارب عدد معتقليها عند الجيش الصهيوني ما يزيد عن 7400 أسيرة وأسير فلسطيني وعربي، يقبعون في سجون الاحتلال ومراكز التوقيف والتحقيق الصهيونية يعانون الأمرين على يد جلاوزة الاحتلال.
كما ودع الفلسطينيون العام 2009 وهم يعيشون حالة انقسام متواصلة منذ منتصف عام 2007 في ظل حكومتين لشطرين من وطن واحد وهما قطاع غزة الذي تقوده حكومة برئاسة حماس وأخرى في الضفة الغربية برئاسة أحد أبناء سلطة الحكم الذاتي المحسوبة على فتح، يأبيان المصالحة وتوحيد المقاومة ضد الاحتلال، ويواصلان الصراع على الشرعية السياسية بينما يعاني المواطنون سواء في الضفة الغربية او قطاع غزة الأمرين من الاحتلال الذي يصادر الأراضي ومنابع المياه ويفرض الحواجز والتهويد والاستيطان.
وإذا كانَ كل ذلك هو ما يميز ما انقضى فلا أعتقد أنَ حديث محمود عباس بإعلانه عدم ترشيح نفسه لموقع رئيس السلطة في الانتخابات التشريعية والرئاسية القادمة كافياً لحله، فالمشكلة أكبر من ذلك، وقد تأخر الوقت، وهو بطرحه هذا إنْ كانَ جاداً، يكون قد اختار أسهل الحلول بالنسبة له هروباً من استحقاق المرحلة التي ساهم هو بشكل أساسي في دخولها ذاك المنعطف الصعب الذي وصلت إليه، فعباس مهندس أوسلو المشؤومة والتي أسست للمرحلة الفلسطينية الراهنة طوال عقدين مضيا، وأوقعت الشعب الفلسطيني في جملة من المتاهات التي يحاول إيجاد طريقه عبرها ولا يتمكن من ذلك حتى الآن بسبب الوضع السياسي المعقد للسلطة وحلفائها من العرب الذين اكتشفوا متأخراً فيما يبدوا أنَ الكيان الصهيوني لا يرغب بالسلام، ولا يستجيب إلاَ ما تمليه عليه مصالح قطعان المستوطنين وتعليمات الصهيونية العالمية وأحلامها في التوسع.
لقد افترضنا أنَ عباس بصفته المسؤول الأول والأخير عن مصالح الشعب الفلسطيني تحت الاحتلال أمام العالم -على اعتبار أنَ الشرعية الشعبية مسألة أخرى لن ندخل فيها الآن -قد يحرك ملف المصالحة مع حماس بل يقدم لها الدعم في صفقة تبادل الأسرى ويدخل معها شريك كامل في ملف إعادة فتح المعابر المغلقة بفعل الحصار العبري والعربي، وتقديم المساهمة اللازمة لإعادة بناء غزة التي دمرتها الحرب الصهيونية التي كشف تقرير جولدستون حجم وحشيتها وفظاعتها، وذلك على قاعدة المشاركة في كل شيء بعد الثمن الباهظ الذي قدمته حماس طوال السنوات الماضية دفاعاً عن الحق الفلسطيني الذي بقي معها حياً وأثبتت الأيام أنَ حماس هي من ألقى الضوء على جرائم الكيان الصهيوني وجعل من رمزه المجرمة أهدافاً ملاحقة في كثير من الدول رغم محاولات حثيثة من الولايات المتحدة الأمريكية وبعض الأنظمة الغربية وحتى في أوساط بعض الرسمين العرب لوقف الملاحقة والتدخل في سلطات القضاء في كثير من الدول لتعديل القوانين بما يسمح بهروب المجرمين من المحاكمة كما حدث في اسبانيا وبريطانيا.
لقد ضاعت أشهر من مفاوضات السلطة مع حماس في القاهرة وغيرها من العواصم والنتيجة حتى الآن صفراً بسبب إصرار السلطة وفتح على عدم تقديم شيء جدي لحماس غير المصالحة وبدون أي حل جذري لجملة القضايا العالقة بينهما بل وبين فتح وكل الفصائل الأخرى التي لا تقبل الوقوف موقف المتفرج، لقد كادت جهود التفاوض لأجل المصالحة تقترب كثيراً بالفرقاء من خطوة توقيع اتفاق المصالحة المنتظر، والذي كانَ سيعيد للقوى الفلسطينية وحدتها وللمقاومة برنامجها، بسبب رفض عباس والسلطة قاعدة المشاركة التامة في كل شيء ، والمنطق يقول أنَ حماس هي الأغلبية الفائزة في آخر انتخابات فلسطينية وهي الأحق بتمثيل الشعب الفلسطيني ليس فقط في غزة بل في الضفة والشتات أيضاً ولكن تعنت السلطة ورفضها لمشاركة حماس في الأجهزة الإدارية التنفيذية والأمنية هو من أوقع الشرخ وكأن حماس من المريخ وليس عناصرها من أبناء الشعب الفلسطيني، ويشهد لهم حتى الأعداء بنظافة اليد وإنهاء الفساد في غزة عندما تمكنوا من تنفيذ جزء من برنامجهم الإصلاحي مترافقاً مع برنامج مقاوم تحرري للخلاص من الاحتلال الصهيوني البغيض.
لقد استعجل عباس كثيراً في إعلاناته المتكررة عن تحديد موعد الانتخابات دون انتظار موافقة حماس عليها، واتبعها برغبته عدم ترشيح نفسه للرئاسة والتي تدل المعطيات على عدم جديتها مع تمديد اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية له في رئاسة دولة فلسطين المحتلة وهي مؤسسات يتم استخدامها حسب الحاجة للخروج من المآزق التي وضعت السلطة نفسها والشعب الفلسطيني بها، ويمكن ان تفهم أنها إجراءات لضرب الحديث عن أي مصالحة فلسطينية- فلسطينية ، وإنهاء لأي أمل كان في إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة حقيقية على الأرض والشعب، وتوفر الحد الأدنى من الحقوق الوطنية للإنسان الفلسطيني، ويبدو أنَ السبب في ذلك يتمثل في غياب الرغبة لدى السلطة في الانخراط في مشروع وطني فلسطيني مقاوم، ورغبتها في السير ضمن مشاريع العم ميشيل وخطط الرباعية وخارطة الطريق التي كيفت غير ذي مرة حتى تتوافق والرغبات الصهيونية في إفراغها من مضامينها.
ان إجراء الانتخابات في الضفة والقدس الشرقية واستثناء قطاع غزة، سيعود بالمشروع الوطني الفلسطيني خطوات عديدة إلى الوراء، ، فالذهاب إلى الانتخابات بدون حل مشكلة حكومتي غزة والضفة، اي بدون مصالحة، هي مصيبة كبيرة، فالوفاق بين القوى ووحدة الشعب الفلسطيني هو الأساس وليس موروث أوسلو الذي خُدع به المواطن الفلسطيني حتى الآن.
وخلاصة الأمر أنَ هناك نهجين في الحركة السياسية الفلسطينية، هما نهج يرفض الاعتراف بالكيان الصهيوني، ويعتمد الكفاح المسلَّح وغيره ضد هذا الاحتلال، ونهج يعترف بالكيان الصهيوني ويقول، بعض منه باعتماد الكفاح ويقول البعض الآخر باعتماد المفاوضات، وفي هذا الصدد، أود القول إلى أن السبيل هو التمسك بالموقف المبدئي و رفض الاعتراف بالعدو، ومواصلة مقاومته بكل السُبل المتاحة ورفض كل مشاريع ومبادرات التسوية التي لا تعيد للشعب الفلسطيني كل حقوقه المسلوبة، وعندما يتحقق ذلك فالنصر أكيد، ولا يهم وقتها من بقي على رأس السلطة ومن غادرها فالشعب من يقرر الأصلح له.