حل الدولة الواحدة .. الطريق العملي والأخلاقي
بقلم/ كمال البلعاوي
إن حل الدولة الفلسطينية الواحدة الديمقراطية العلمانية على كامل أراضي فلسطين التاريخية هو الطريق الوحيد العملي والأخلاقي – وقليلاً ما تجتمع هاتان الصفتان في هدف واحد مثلما نراهما هنا – لإنهاء هذا الصراع الوجودي الحضاري الذي استطاع الصمود منذ عصر الاستعمار المباشر حتى الان معاصراً و متجاوزاً ومسبباً في بعض الأحيان لصراعات لا حصرلها .فقد عاصرت القضية الفلسطينية حروباً عالمية ساخنة وباردة وشهدت تحرر أغلب شعوب الأرض من الاستعمار المباشر وسببت حروباً أخرى كثيرة، ومع ذلك ما زالت هذه القضية تتحدى أي حلول توضع لها، فالقضية الفلسطينية تتمتع بخصوصيات مدهشة فعلاً فهي ليست قضية استعمار فقط بل هي قضية استعمار إحلالي تتداخل فيها العوامل الدينية والحضارية والاقتصادية والسياسية والقومية والوطنية والثقافية لتشكل مزيجاً معقداً وقفت أمامه كل الحلول المقترحة عاجزة تماماً.
كما قلنا فكل الحلول التي اقترحت وجُربت حتى اللحظة باءت جميعها بالفشل، فقد جُرب الحل العسكري التقليدي ولكن المشكلة في هذا الحل استحالة تفوق الفلسطينيين والعرب على الكيان الصهيوني عسكرياً – في الماضي والمستقبل المنظور - بسبب التفوق الذي تمتعت وستتمتع به طالما أن الغرب يدعمها يشكل كامل، وهذا الأخير سيستمر بدعمها لما يمثله هذا الكيان بالنسبة للغرب من قاعدة بشرية عسكرية تمثل مصالحه وترعاها، وبالتالي تحمي مصالحه الإمبريالية من أية صحوة أو محاولة تحرر أو نهضة حقيقية في المنطقة، كما لا يجوز أن ننسى الروابط الحضارية التي تعتبر الكيان الصهيوني جزءاً من الحضارة الغربية، وسيستمر هذا الحال طالما بقي الغرب في موقع التفوق الحضاري، أما من وجهة نظر الكيان الصهيوني فالحل العسكري ليس خياراً ممكناً أيضا فلا يمكن إبادة كل الفلسطينيين أو العرب والذين بدورهم يعتبرون فلسطين وطناً لهم ولأطفالهم مهما طال الزمان، وإن استطاع الكيان الصهيوني هزيمة الأنظمة العربية وجر هذه الأنظمة المستسلمة إلى معاهدات استسلام فهذا ليس حال الشعوب العربية التي ما زالت بعد 60 عاما من الاحتلال تعتبر فلسطين أرضا عربية وستستمر على هذه الحال وستبقى في حالة صراع مع هذا الكيان إن كان على أسس دينية أو قومية أو حضارية.
أما فيما يخص حل الدولتين فهو حل غير منطقي على كل الصعد بالإضافة إلى أنه غير عادل، فمساحة فلسطين الصغيرة لن تستطيع احتمال دولتين تكون فيها الدولة الفلسطينية العتيدة مقسمة الأوصال هذا بالإضافة إلى افتقارها للسيادة حتى في حال هدم الجدار والمستوطنات تماماً - وهذا مستبعد في هذه المرحلة - بالإضافة إلى أنه يقدم حلا غير مقبول على الإطلاق في موضوع اللاجئين مثل التوطين والتعويض، وفكرة تحول الكيان الصهيوني إلى دولة صغيرة مسالمة هو أمر مستبعد فهذه دولة وظيفية تحصل على كل هذا الدعم الاقتصادي والعسكري مقابل وظائف محددة وستستمر في لعب دور ذراع الإمبريالية في المنطقة لتحقيق أهداف الأخيرة على حساب حرية واستقلال شعوب المنطقة، وإن فرضنا جدلاً أن تحول الكيان الصهيوني إلى حمل وديع ممكن، تبقى أمامنا استحالة إرضاء العرب والفلسطينيين واليهود تماماً بهذا الحل فسيبقى كل طرف يتحين الفرص للانقضاض على الأخر فالعرب يرون حقهم في كامل أراضي فلسطين التاريخية وكذلك يفعل اليهود وفي حالة إقامة دولتين فسيبقى الطرفان متربصين ببعضهما في انتظار إمكانية تحقيق الحلم التاريخي بكامل الأراضي الفلسطينية.
إن ما يميز حل الدولة الواحدة هو أنه لأول مرة منذ زمن طويل يصبح هدف الدولة الفلسطينية وعودة اللاجئين والقدس والسلام والأمن ممكن التحقيق، ويمكنه كذلك أن يعيد الزخم المطلوب للقضية الفلسطينية على الصعيد الداخلي والعربي والعالمي، ويضع الشعوب والأحزاب أمام هدف واضح قابل للتحقيق بالوسائل البسيطة المتوافرة لديها، ويخرجها من حالة اليأس بالسعي وراء أحلام أقل ما يقال عنها أنها بعيدة جداً، مثل تصفية الوجود اليهودي في فلسطين تماماً لأنه حتى في حال تحقيق حلم الوصول إلى نوع من التوازن مع قوة الكيان الصهيوني فإن هذا سيؤدي إلى صراع مرير وطويل جداً .
فحل الدولة الواحدة الديمقراطية العلمانية كما رأينا هو الحل العملي الوحيد لأنه يعني عودة اللاجئين وتوحيد القدس كعاصمة وإقامة دولة حقيقية، دولة مواطنة لكل سكان فلسطين التاريخية بغض النظر عن العرق والدين والمذهب وليس دولة مجهرية أو دولة كانتونات، وإنهاء الصراع التاريخي حول الأحقية والأسبقية التاريخية في الأراضي الفلسطينية، وإنهاء حالة الحرب المستمرة منذ بداية القرن الماضي، كما أن هذا حل إنساني أخلاقي ينهي مسألة تشريد اللاجئين والعداء المستمر والقتل المتبادل وينهي حالة الحصار والاغتيالات المستمرة التي يعيشها الشعب الفلسطيني كما أنه ينهي مسألة الحديث عن رمي اليهود إلى البحر أو إعادة أناس إلى بلاد ولد فيها أجدادهم فلم يرونها قبلاً وأهم من ذلك لا يعتبرونها بلدهم، كما أنه يعني أن الكثير من اليهود والذين يعاني جزء كبير منهم تمييزاً داخلياً خاصة ذوي الأصول الشرقية سيتوحد موقفهم مع الفلسطينيين على هدف واحد مشترك طالما أصبحوا يشعرون أن الفلسطينيين والعرب لا يناضلون من اجل قتلهم أو تشريدهم بل من أجل السلام والعيش المشترك.
يبرز هنا سؤال في غاية الأهمية :
إذا كان هذا الهدف منطقيًا وأخلاقيًا وعمليًا فما هي الأدوات والشروط المطلوبة لتجسيده على أرض الواقع؟ ,
في الحقيقة أن الحديث عن الدولة الواحدة ليس حديثاً جديداً فقد تبنته فصائل فلسطينية ديمقراطية يسارية على رأسها الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ففي ورقة بعنوان) تكوين وتنظيم الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين) هناك نص واضح على أن الهدف الاستراتيجي للجبهة هو(تشييد دولة ديمقراطية يتمتع فيها العرب واليهود بحقوق وواجبات متساوية) .
وهنا نستطيع أن نرى وضوح الرؤية والهدف السياسي للجبهة الشعبية إلا أن كل الفصائل التي حملت وجهة النظر هذه والتي مارست الكفاح المسلح وناضلت وقدمت الشهداء والجرحى والأسرى لم تستطع أن توظف هذه التضحيات كلها في ممارسة سياسية وإعلامية واضحة تخدم هذا الهدف الاستراتيجي فلم يُرفع هذا الشعار ويقدم للجماهير بشكل واضح ولم يتم التركيز والتأكيد عليه في الإعلام الداخلي والخارجي بشكل كاف.
لكن لنعد إلى سؤالنا وإلى عنوان هذا الموضوع حول الكفاح المسلح ودوره في تحقيق الدولة الواحدة فقد رأينا من قد اجتهد في هذه المسألة لصالح النضال السلمي واللاعنف فاعتبر هذا الشكل من النضال مدخلا لتحقيق هدف الدولة الواحدة وانسجاماً مع الدافع الإنساني الأخلاقي المبرر لهذا الهدف في المقام الأول، كما طرحت فرضية أن الكفاح المسلح يزيد من حالة البغض والكراهية بين طرفي الصراع ما يقلل من احتمال تحقيق هذا الهدف، والطرفان هنا يطرحان طرحاً صحيحاً إلا أنه قاصر عن رؤية الصورة الأشمل للواقع القائم ولطبيعة الصراع وللطبيعة البشرية أيضا.
إن النظام السياسي للكيان الصهيوني مدرك تماماً لوظيفته في خدمة الإمبريالية العالمية والتي تصب في مصلحة هذا الكيان أيضا في النهاية وحرب لبنان الأخيرة التي تخدم أهدافا أمريكية بالأساس دليل على ذلك، وإن هذا النظام سيفعل ما بوسعه سياسياً وإعلاميا وعسكرياً لمحاصرة وتصفية خيار الدولة الواحدة، وطالما استطاع هذا النظام السياسي المحافظة على الأمن والازدهار الاقتصادي وهذا ما سيحدث في حالة اختيار النضال السلمي فقط، سيستمر هذا النظام في تحقيق أهدافه بنجاح بسبب عدم توفر رغبة جماهيرية بإسقاطه أما في حالة الكفاح المسلح سيقع هذا النظام السياسي في احراجات كثيرة لا يستطيع على إثرها القيام بحملات سياسية وإعلامية ناجحة.
أما إذا كان البعض يراهن على الإحراج الأخلاقي الناتج عن المجازر المستمرة لهذا النظام فقط فيمكن بسهولة الإشارة إلى أن المذابح حصلت في حرب لبنان كما في حرب غزة و لكن الثقة بالنظام السياسي لم تتدن إلا في حرب لبنان بسبب العامل العسكري وليس الأخلاقي.
ولكن الأهم في مسألة الكفاح المسلح هي الإشارة إلى الطبيعة البشرية التي تفضل بقاء الوضع على ما هو عليه طالما أن مصالحها الخاصة لم تتأثر، فسكان الكيان الصهيوني لن يستجيبوا للحملات الإعلامية أو المناشدات الأخلاقية طالما لا يرون أن وضعهم المعيشي جيد وغير متأثر بما يحصل، ولكن استمرار الصراع بكل أشكاله وعلى رأسها العسكرية هو ما سيهدد مصالحهم وحياتهم وبالتالي يدفع باتجاه البحث عن حلول، وكلما زادت وتيرة الصراع ووتيرة الخسائر كلما ازداد ميلهم الطبيعي إلى الحلول وهنا يجب أن يكون هناك حل منطقي يصون مصالح الجميع أما إذا كان الحل الوحيد المطروح أمامهم هو إما الحرب أو الموت أو التهجير فسيحاربون بشراسة.
الكفاح المسلح كما أشرنا غير كاف لوحده لتحقيق هدف الدولة الواحدة، ولكن العمل على صياغة خطة نضالية واضحة ومشتركة والعمل على إنجازها هي الطريق الوحيد، فيجب أن يعمم هذا الهدف الاستراتيجي على جماهير شعبنا وأمتنا وعلى العالم، وأن يتم ترويجه إعلاميا بكثافة بين سكان الكيان الصهيوني وطرحه كحل وحيد على كل المنابر العربية والدولية، والتراجع عن القبول بحل الدولتين كونه ظالما للشعب الفلسطيني وغير عملي، ويجب أن يرافق هذه المواقف السياسية الواضحة والدعاية الإعلامية الكثيفة تكتيكات نضالية مناسبة وشاملة تشرك كافة جماهير شعبينا في مواجهة العدو والصراع بكافة أشكاله السلمية و العسكرية.